تسعى مبادرة “سينما صوت” للشاعرة والناشطة سماح الشغدري الى نشر الوعي بمخاطر الحرب والتحذير من النزاعات وذلك من خلال تقديم عروض سينمائية في صنعاء تتناول مواضيعها رفض الحروب وضرورة التعايش بين الناس.

وجدت مبادرة “سينما صوت” صدى جماهيريا لافتا في اليمن من خلال ما عرضته من افلام سينمائية تحاكي وقائع الأزمات والنزاعات الشبيهة بالأحداث الدائرة حاليا في اليمن، حيث هدفت المبادرة إلى نشر الوعي بما تسببه النزاعات والحروب من مآس إنسانية ومن انقسامات طائفية، يصعب معالجتها سريعا.

صوت في مواجهة الحرب

في هذا الصدد تقول الناشطة سماح الشغدري صاحبة مبادرة “سينما صوت” إن من أهم أهداف مشروعها الذي اطلقته بالتعاون مع السفارة الهولندية في صنعاء هو التوجه برسائل السلام والتعايش وارساء ثقافة نبذ العنف والتطرف في المجتمع اليمني الذي يعيش وضعا كارثيا وتمزقا طائفيا يهدد الهوية الاجتماعية في اليمن.

وعن اختيار الفن السنيمائي كأداة لنشر الوعي بثقافة السلام، عبرت سماح عن اعتقادها أن “صوت رفض الحرب وصعوبة الظروف التي تمر بها اليمن تنطلق من تلك الثقافة، لأن ثقافة السمع البصري هي الأداة الوحيدة التي يمكنها مناقشة جميع الرؤى والأفكار القائمة على الساحة اليمنية، فضلاً عن قدرتها على تعزيز ثقافة التعايش والسلام”

افلام تحاكي الواقع اليمني

وفيما يتعلق باختيار الأفلام التي تعرضها “سينما صوت” تقول الشغدري: “نحرص عند اختيارنا للأفلام على تقديم الفكرة والرسالة بشكل سلس وغير مستفز، ولذلك فإن جمهورنا متنوع من حيث الفئات العمرية والمجتمعية، ومن حيث الإستقلالية الحزبية أو من حيث الشخصيات الدينية، لأننا نريد مناقشة قضية”.
وتضيف المتحدثة قائلة: “نحن نعرض مثلا افلاما تناقش نبذ العنف والتطرف. فهناك أفلام تدعو للتعايش والسلام وأخرى تعرض نتائج النزاعات المسلحة وتأثيرات الحروب على النساء والاطفال مثل فيلم “وحوش بلا وطن” وهناك افلام تناقش تأثيرات الحرب الاهلية وما تتركه من شروخ داخل المجتمع، مثل فيلم المتمردة إضافة إلى افلام أخرى تسلط الضوء على دور النساء في السلام وصنعه وتكريسه في المجتمعات، مثل الفيلم الوثائقي “النساء صانعات السلام” وغيرها من الأفلام التي تناقش قضايا المذهبية والطائفية واثرها على المجتمعات والاقليات مثل فيلم “هلا لوين” اللبناني”.

ويكمن سر نجاح مبادرة “سينما صوت”، كما يقوله الشاب عبدالله عبد الواحد، الذي كثيراً ما يحرص على ارتياد العروض الأسبوعية لمبادرة “سينما صوت”ـ في كونها تركز على مناقشة قضايا انسانية شبيهه بالقضايا الطارئة في المجتمع التي افرزتها الازمة في اليمن والتي تهم كل اليمنيين بمختلف فئاتهم، وعلى رأس هذه القضايا قضية الحرب التي طالت كوارثها جميع المواطنين. ولاشك أن المهنية في طرح المواضيع هو ما يميز العروض، مثلا من خلال عدم اقحامها في خضم المناكفة السياسية، مما جعل فئات المجتمع تتقبل مبادرة “سينما صوت” بما في ذلك الجماعات الدينية.

محاولة في استعادة دور السينما

رغم الصعوبات العديدة التي واجهها مشروع “سينما صوت” بدءا من مشكلة التمويل وضعف الإمكانيات وضعف الإهتمام بثقافة السينما، فقد تمكن المشروع من الدفع قدما بهذا الفن بشكل حضاري لائق.” إن إنجاز مشروع “سينما صوت” يكمن بشكل اساسي في تكريس ثقافة ارتياد دور السينما التي شهدت ركوداً تاما منذ عقود، وإزالة الصورة السلبية تجاه السينما داخل المجتمع، أو إلغاء الصورة السلبية عن اليمن” كما تقول الشغدري .

يأتي هذا في الوقت الذي كانت السينما في اليمن قد فقدت حضورها كأداة ثقافية وجماهيرية منذ ما يقرب من ثلاثة عقود، بالرغم من أن اليمن وخصوصاً عدن تعرفت على هذا الفن منذ بداية عصر الصور المتحركة، عندما شاهد جمهور مدينة عدن العروض السينمائية أيام الأفلام الصامتة، منذعام 1918 ، حيث بلغ عدد دور السينما في اليمن 49 دار عرض. “حاليا لاتوجد في الخدمة ا سوى بعض الدور التي تحولت من عرض الافلام السينمائية إلى عرض أفلام الاسطوانات المدمجة أو لعرض مباريات كرة القدم العالمية
الشاب أحمد مهيوب الشرعبي يتحدث ملاحظا:” منذ عشرين عاما لم اذهب الى دار سينمائي لمشاهدة فيلم، ولكن حينما سمعت عن وجود عروض منظمة تقدم مواد فلمية مثيرة لقضايا الحرب “ذهبت لمشاهدة مكان العرض حيث ازداد اعجابي “.

ردود فعل

على مدى الأشهر الماضية, حظيت العروض السينمائية التي تقدمها “سينما صوت” عصر كل أربعاء في صنعاء بإقبال جماهيري متزايد، رغم ضيق مكان العرض كما اثارت هذه المبادرة وعروضها السينمائية اهتمامات الشباب والمثقفين والنخب طوال مراحل العرض، طوال 32 اسبوعاً.

الناشطة الحقوقية ارسال بشر تعتبر في هذا السياق أن “المسرح والسينما أساسيان لتطور الشعوب. نحن بحاجه لمبادرة “سينما صوت” في ظل الوضع المأساوي الذي نعيشه بسبب الحرب”.

إلى ذلك تقول ندى الأسودي: “تقييمي لهذه المبادرة هو أنها استطاعت في زمن قصير ان تحقق صدى واسعا، كما أعادت الحديث عن السينما إلى الشارع اليمني بعد فترة ركود.” وعبرت المتحدثة عن أملها في أن يتم البحث عن ممول اقوى للمبادرة بهدف توسيع قاعة العرض.

ولا تقتصر متابعة عروض “سينما صوت” على مكان العرض فقط؛ بل إن هناك جماهير تحاول متابعة الجديد عن المبادرة وعروضها السينمائية عبر مواقع التواصل الاجتماعي كالشاعر السوري المقيم في ألمانيا عارف حمزة، الذي قال: “طوال أسابيع كان الأصدقاء اليمنيون يقدمون الحياة للآخرين من خلال السينما، بينما الموت يحاصرهم من كل الجهات”.

ويتابع حمزة في حديثه “شدتني مبادرة سينما صوت إليها كونها تحدث في بلد عربي يعاني من حرب مدمرة، وكثيراً ما اندهشت بوجود هذه المتابعة الكبيرة من الشابات والشباب اليمني الذي يستحق الحياة”.

ويؤكد الشاعر السوري أن “ما جعل المبادرة مثيرة هو وجود عروض من مختلف القارات: أمريكا، آسيا، أوروبا، وأفريقيا، مثيرة الكثير من القضايا التي تلتصق بالحياة اليومية للناس، مثل انتهاكات حقوق الإنسان والحريات وصولا إلى قضايا العدل و المساواة”.

الوسوم