ينتظر أطفال المناطق الحدودية بقطاع غزة، بشغف كبير، قدوم حافلة صغيرة بيضاء اللون عليها رسومات جذابة لتقدم لهم كتباً لا يمكنهم الوصول لها بغير هذه الطريقة؛ لبُعد مناطقهم عن مركز المدينة.

وتقول لانا مطر، مدير دائرة الإعلام بمركز الطفل والمنسق العام لهذه المكتبة، إن فكرة المكتبة المتنقلة تقوم على تحويل مركبة تتحرك لتصبح مكتبة مصغرة، من خلال تزويدها بالرفوف اللازمة التي توضع عليها قصص وكتب ثقافية وترفيهية، إضافة إلى شاشة سينمائية لعرض المواضيع الترفيهية والتعليمية والصحية.

وتحتوي المكتبة على أكثر من 1500 كتاب متنوع، لتوصيل المعرفة ونشر حب القراءة في الأماكن النائية والمهمشة داخل القطاع؛ لتشجيعهم على المطالعة والإبداع وتنمية قدراتهم الذاتية والعقلية.

وتضيف مطر أن المكتبة المتنقلة هي المبادرة الأولى من نوعها التي يُطلقها مركز الطفل التابع لمؤسسة عبد المحسن القطان في غزة بالشراكة مع معهد غوته وبتمويل من بنك فلسطين، ويستمر المشروع 3 أشهر من كل عام.

وأوضحت أن المكتبة تتوجه يومياً إلى المناطق الحدودية النائية والمهمشة في شمال قطاع غزة وشرقه، حيث يتم تخصيص أيام محددة لكل منطقة؛ وذلك للمحافظة على بقاء ثقافة القراءة والمعرفة لدى الأطفال بشكل متواصل ودوري.

500 طفل أسبوعياً

وقبل البدء بزيارة المناطق الحدودية، يقوم القائمون على المشروع، حسب المتحدثة، بدراستها جيداً؛ لمعرفة وتحديد الموعد والمكان المناسب لوجود هذه المكتبة، وعدد الأطفال المتوقع استقطابهم لها لإيجاد أكبر عدد ممكن من القراء الزائرين، مشيرة إلى أن المكتبة تتخذ غالباً بعض المدارس والمراكز المجتمعية مكاناً لها.

وأوضحت أنه يتم إعلام المواطنين بمواعيد مرور المكتبة المتنقلة من منطقتهم، عبر وسائل الإعلام المحلية المختلفة، ويظهر تأثير ذلك من خلال عدد الأطفال المتزايد الذي ينتظر الحافلة.

وتستهدف المكتبة أسبوعياً ما يقارب 500 طفل تتراوح أعمارهم ما بين 4 و15 عاماً، من المتعطشين إلى القراءة والتعلم؛ لتوسيع مساحة المعرفة لديهم ولخلق جيل على درجة كبيرة من الثقافة والمعرفة والتميّز؛ وللمساهمة في تنمية المجتمع ثقافياً، توضح لانا مطر.

وسيلة للعلاج

وقالت مدير دائرة الإعلام بمركز الطفل، إن الأطفال يصعدون للمكتبة المتنقلة للاطلاع على محتوياتها من قرب، ثم يختارون القصص والكتب التي تتناول الموضوعات التي يحبونها من بين الرفوف لقراءتها، ثم يتم وضع مجموعة من المقاعد حول المكتبة؛ ليجلس الأطفال عليها ليستمتعوا بقراءة الكتب.

وتمكّن المكتبة الأطفال من استعارة الكتب والقصص بكل سهولة، بالإضافة إلى التحديثات المستمرة للكتب والقصص الموجودة. كما تقوم باكتشاف نقاط القوة والضعف عند الأطفال من خلال الاستماع إلى قراءتهم؛ ليتم تجاوز المشاكل التي يواجهونها بإرشادهم للذهاب إلى المؤسسات التأهيلية لمعالجتهم بعد أن يتم إبلاغ عائلاتهم .

ومن أهم الصعوبات التي تواجه هذه المكتبة المتنقلة، صغر حجمها نسبياً، مضيفة: “نحن نتطلع إلى توفير حافلة كبيرة تتسع لعدد أكبر من الكتب والقصص والألعاب؛ لنستطيع أن تخدم شريحة واسعة من الأطفال الغزيين”، تقول المتحدثة لـ”هافينغتون بوست عربي”.

وأضافت أن الأحوال الجوية السيئة في فصل الشتاء تشكل عائقاً كبيراً أمام حرية الحركة والتنقل بالمكتبة، إضافة إلى الأعطال المحتملة والتي قد تصيب الحافلة؛ بسبب وعورة الطرق التي تسلكها والتي من شأنها أن يؤثر على الخدمات المقدمة للقراء، وكذا الحاجة إلى بعض الأمور اللوجيستية التي تفتقر إليها المكتبة والتي غالباً ما يتم تجاوزها والتغلب عليها.

فكرةٌ جميلة

بداخل إحدى المدارس في قرية أم النصر شمال مدينة غزة، تنتظر الطفلة سجى ناصر (13 عاماً)، والتي ترتدي زياً مدرسياً أزرق اللون قدوم، المكتبة المتنقلة؛ لتستمتع بقراءة الكتب ومشاهدة العروض الكرتونية والترفيهية.

وتقول ناصر، التي تجلس على مقعد أصفر اللون وفي يدها قصة ترفيهية، “لم أذهب يوماً ما إلى أي مكتبة على الإطلاق؛ وذلك لأنني أسكن في منطقة تفتقر إلى وجود مصادر للقراءة والترفيه سوى المدرسة التي أدرس بها والتي تحتوي على عدد قليل من الكتب التعليمية والترفيهية والتي نرغب في قراءتها والبحث عنها”.

وتضيف: “المكتبة المتنقلة، هي فكرة جميلة وتحتوي على عدد كبير من القصص والحكايات الرائعة، إضافة إلى قيام المكتبة بإجراء مسابقات ثقافية لنا وتوزيع بعض الرسومات علينا لنقوم بتلوينها، وكذلك الحكواتي الذي يجلس على مقعد خشبي وبيده قصة كبيرة الحجم ويقوم بإلقائها علينا بأسلوب مرح؛ ليرسم البسمة على شفاهنا ووجوهنا”.

وتوضح ناصر: “نريد أن نكون مثل أطفال العالم في الحصول على حقنا بالقراءة والتعلم، وأن تتوافر مكتبة دائمة لنا نستطيع الذهاب اليها باستمرار في أوقات فراغنا، فالمكتبة المتنقلة تأتي يومين في الأسبوع ولساعات محددة فقط، حتى إنني أصبحت أنتظر قدومها أسبوعياً بشوقٍ كبير”.

وتمنت الطفلة أن يتم تطوير هذه المكتبة المتنقلة لتحتوي على حواسيب إلكترونية وبرامج للألعاب، إضافة إلى “تزويدها بالمزيد من الكتب والقصص الترفيهية؛ حتى نستطيع الاستفادة والتعلم والاطلاع على المزيد من الكتب والأنشطة المتنوعة”.

وتقول ناصر: “أحلم بأن يأتي يوم ويتبدل فيه حال الأيام الصعبة التي نعيشها، وأن يتم الاهتمام بنا وبطفولتنا بشكل أكبر من خلال توفير احتياجاتنا من الكتب التعليمية والترفيهية الحديثة والمتطورة والتي تُنمي قدراتنا ومعرفتنا” .

وأكدت مطر أن “المرحلة المقبلة ستشمل إضافة كتب ومقاعد حديثة إلى المكتبة المتنقلة خاصة بشريحة هامة في مجتمعنا الفلسطيني، وهم الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة؛ لدفعهم وتشجيعهم على القراءة والمعرفة، فهؤلاء الأطفال لا يختلفون عن الأطفال العاديين، فهم يتعلمون ويكتسبون الخبرات والمهارات، إلا أن مستوى النمو العقلي لديهم يكون أقل نسبياً عن غيرهم من الأطفال الأصحّاء”.

 

المصدر : هافينغتون بوست

الوسوم