وجد الشباب الجزائري الذي يتطلع إلى دخول عالم الأعمال والمقاولاتية في مجال “الاقتصاد الأخضر” فرصًا غير محدودة للاستثمار وإطلاق مشاريعهم الخاصة وإنشاء مؤسساتهم الصغيرة والمتوسطة، تقوم مشاريع الشباب تلك التي توصف بـ”الخضراء”، وهناك من يسميها “صديقة البيئة”، على مبدأ الإنتاج مقابل التقليل من مخاطر التلوث وانبعاثات الكربون، ومراعاة حماية البيئة. وذلك بالنظر إلى كمية النفايات التي يتم طرحها سنويًا في الجزائر، والتي تعد مادة أولية لعملية الرسكلة وإعادة التدوير، حيث قدرت خلال سنة 2016، بـ 25 مليون طن، منها، 13.5 ملايين طن نفايات منزلية، وما تبقى نفايات قطاع البناء، وهو ما يتطلب إعادة رسكلة على الأقل 60 بالمائة منها، حسب الأرقام المقدمة من وزارة الموارد المائية والبيئة.

وشجعت هذه الكميات الكبيرة من النفايات على التوجه نحو إنشاء مؤسسات خاصة بالرسكلة، حيث وصل عدد المؤسسات الناشطة في مجال فرز وتدوير النفايات في الجزائر 25 ألف مؤسسة خلال سنة 2017، حسب احصائيات الوزارة، بينما يزيد عدد المؤسسات التي تنشط في مجال الاقتصاد الأخضر 273 ألف مؤسسة. وتشير التوقعات إلى وصول عدد مناصب الشغل في النشاطات المتعلقة بالاقتصاد الأخضر في الجزائر إلى 1.4 مليون منصب شغل في سنة 2025.

ويدخل في إطار تشجيع الشباب الراغبين في الاستثمار بمجال الاقتصاد الأخضر، أو من يملكون مشروعًا به، تنظيم دورات تدريبية وتكوينية لصالحهم، بصفة دورية من قبل “جمعية نساء الاقتصاد الأخضر” بالتعاون مع خبراء، من أجل مساعدة الشباب ومرافقتهم في إنشاء مؤسساتهم وتطوير مشاريعهم في مجال الرسكلة وتدوير النفايات، واستخلاص الزيوت، والفلاحة البيولوجية والزراعة العضوية، التي تقوم على منع استخدام المواد الكيميائية وتقليل التلوث البيئي، وغيرها من الأنشطة. وتحظى المرأة بالتشجيع من أجل خوض تجربة الاستثمار في “الاقتصاد الأخضر”، مع إمكانية حصولها على دعم مالي لتنفيذ مشروعها.

ومن بين الذين ألهمهم الاقتصاد الأخضر، الشابة رشيدة كريم، من ولاية البيض، صاحبة مؤسسة مختصة في استرجاع وتدوير النفايات، التي استطاعت الحصول على مبلغ مالي قدره 400 ألف دينار جزائري لتطوير مشروعها في مجال الرسكلة، بعد فوزها في المسابقة الوطنية للمقاولاتية النسوية قبل بداية فبراير 2017. وتقوم مؤسسة رشيدة التي تحمل اسم “ Krim Plastiquo”، المستوحى من اسمها العائلي، بعدة نشاطات في مجال الرسكلة أهمها فرز وتحويل المواد البلاستيكية بالإضافة إلى فرز وإعادة تدوير النفايات والفضلات المنزلية. اقتحام الشابة لهذا المجال من أجل الاستثمار جاء نتيجة إيمانها بأن المستقبل سيكون لهذا النوع من الإقتصاد القائم على مبدأ تحويل النفايات التي كانت تشكل عبئا ثقيلًا وخطرًا على البيئة إلى مادة أولية مهمة وأساسية من أجل تدويرها وإعادة استخدامها. واستطاعت رشيدة من خلال خبرتها التي اكتسبتها كمختصة في فرز النفايات، وتنقلها وزيارتها لمختلف مراكز ردم النفايات عبر التراب الوطني، أن تقف على الصعوبات والتحديات التي يمكن أن تواجهها مؤسستها، على رأسها مشكلة انقطاع الكهرباء الذي يعطل عملية الرسكلة، والمنافسة القوية في القطاع التي تفرض على المؤسسات تخفيض الأسعار. وتعتبر صاحبة المؤسسة أن مجال الرسكلة ملهم ومشجع للاستثمار لكنه يحتاج إلى مجهودات لتطويره.

في بداية المشروع، كانت الشابة فرح رقية، 30 سنة من ولاية المدية، ترغب في إنشاء مؤسسة “صديقة للبيئة” من أجل استخلاص الزيوت من التين الشوكي، واستخدامها في صناعة مواد التجميل. توجه رقية نحو هذا المجال، ارتبط بتخصصها العلمي وشهادتها الجامعية في علم الأحياء والكيمياء والعلوم الطبيعة والحياة، ورغبتها في توظيف نتائج دراستها حول تحويل التين الشوكي، واستغلاله في مجال التجميل، التي أنجزتها سنة 2015. واكتشفت من خلالها مميزات نبتة التين الشوكي التي توجد بكميات كبيرة في الجزائر في مجال التجميل. وكيف أن الزيوت المستخلصة من هذه النبتة تدخل في تركيب الصابون، وغاسول الاستحمام وشامبو الشعر، ومستحضرات التجميل المغذية للبشرة والتي تمنع علامات تقدم السن.

كان على رقية قبل البداية في تنفيذ مشروعها على أرض الواقع، أن تتواصل مع منتجي مواد التجميل على المستوى الوطني، ومعرفة مدى جدوى إنشاء مؤسسة مختصة في استخلاص الزيوت النباتية الموجهة لإنتاج مستحضرات التجميل. وتمكنت من إغرائهم بالفكرة وتشجيعهم على تبني هذا المنتوج، والحصول على وعود بالتعاون معها. استفادت بعد ذلك رقية من دورات تدريبية حول طريقة إنشاء المؤسسات البيئية، مما سمح لها بتفعيل مشروعها كنشاط اقتصادي وبيئي، حيث قامت بإعادة صياغة مشروعها من خلال خلق أنشطة موازية، تتمثل في استرجاع الفضلات الناتجة عن عملية “استخلاص الزيوت”، من أجل صنع منتوجات غذائية. أي أن عمل المؤسسة سيكون قائمًا على استخلاص الزيوت وفي نفس الوقت استرجاع الفضلات وتحويلها، وبالتالي التقليل من النفايات وحماية المحيط والبيئة.

دائمًا في مجال “الاقتصاد الأخضر”، بدأت مغامرة الشاب الجزائري حاج خليل، عند زيارته للجنوب الجزائري، هناك اكتشف المزارع العائلية للتمور ذات النوعية الجيدة، التي تسمى في الجزائر بـ”دقلة نور”، التي استوحى منها فيما بعد تسمية مؤسسته “بيو نور”. حفزت مزارع التمور المنتشرة في الجنوب الشاب حاج خليل على دخول عالم “الفلاحة البيولوجية”، من خلال إنشاء مؤسسة خاصة لإنتاج المواد الغدائية والمحاصيل الزراعية الخالية من أي مواد كميائية أو مصنعة، ودون استخدام أي مكونات كميائية بما في ذلك الأسمدة المصنعة ومبيدات الحشرات. وتستند المؤسسة إلى ما يعرف بالإنتاج الإيكولوجي وحماية البيئة ودعم التوازن الطبيعي للمنظومة البيئية. واستطاع الشاب الحصول على شهادة اعتراف بتأسيس أول مؤسسة مختصة في “الفلاحة البيولوجية” في الجزائر.

وإلى جانب نشاط المؤسسة في الإنتاج الفلاحي، قامت المؤسسة بإطلاق أنشطة موازية من أجل التقليل من مخاطر التلوث، والمتمثلة في “زراعة الأشجار” في الجزائر وعدد من الدول الأفريقية بمعدل 5 آلاف شجرة في السنة. ويستند المشروع إلى إشراك الأطفال وتلاميذ المدارس في عملية زراعة الأشجار في إطار التربية البيئية والتوعية للتلاميذ.
ولم يتوقف حاج خليل على تطوير أنشطة مؤسسته، وأفكاره المتعلقة بالبيئة، حيث قام بإطلاق مشروع جديد، يتمثل في برنامج رقمي عبر الكمبيوتر موجه للشركات والخواص، يسمح بقياس انبعاثات الكربون في الجو وبالتالي اتخاذ التدابير اللازمة للحد منها.
ومازال “الاقتصاد الأخضر” في مختلف المجالات، يلهم بشكل متزايد الشباب الجزائري الذي يحلم بتحقيق مشاريعه الخاصة واستغلال الفرصة المتاحة لخوض تجارب مثل حاج خليل، ورقية فرح ورشيدة كريم.

روابط : 1 2 3

الوسوم