تفترش نهى إبراهيم الأرض في مستشفى أو حديقة، وتفرش الألوان وألواح الرسم البيضاء، في انتظار العابرين، لتعلمهم بالأقلام الملونة رسمة البسمة والنسمة.
تستهدف نهى وفريقها محبي الرسم، حتى لو كانوا أطفالاً، وتجتذبهم بابتسامة وفرشاة وممحاة ولوحة بيضاء، سرعان ما تمتلئ بالعصافير والأشجار والأزهار.
تمسك نهى بيدها أنامل الأطفال الممسكة بالفرشاة والألوان لترسم بها، هؤلاء الأطفال يجدون أنفسهم إزاء بهجة مفاجئة، تتخطى فسحتهم البسيطة التقليدية التي خرجوا لأجلها مع أهلهم.

و”حارس القلم” هو اسم المبادرة التي قررت إطلاقها الفنانة التشكيلية نهى ومعها مجموعة من الفنانين التشكيليين، وهو حلمها القديم، الذي حققته أخيراً، “للوصول للمناطق المحرومة والعشوائية بالفن التشكيلي الراقي، التي تضم غير القادرين على الاشتراك في برامج التدريب على الرسم”.

وتنفذ نهى وفريقها المبادرة بمجهودات شخصية تطوعية، بعد أن نشرت على صفحتها على فيسبوك عنها، ووجدت إقبالا متزايداً من الراغبين في المشاركة فيها، لكن “ظهرت مشكلة إيجاد المكان الصالح للتجمع وتنفيذ المبادرة”، فكان الحل في “البحث عن مركز للتدريب وتقاسم قيمة استئجاره”.
ولا يتطلب اشتراك الراغبين في التعلم غير اصطحاب أدوات لازمة للرسم مثل دفاتر رسم، وأقلام رصاص وممحاة، ورغم أن المبادرة بسيطة، فإن عناوين الورش تبدو عميقة، مثل الورشة التي عقدت بعنوان “المنظور وتطبيقاته على البورتريه”.

و”الطموح الأسمى تكوين مجموعة كبيرة تنتشر بالشوارع والمستشفيات، لنشر ثقافة الفن وتعريف الناس بالقيم الجمالية”، بحسب ما تكشفه نهى بحديثها ، بعد أن “وجدت إقبالا كبيراً من الراغبين في التعلم”.

ومع توالي انعقاد الورش زاد الإقبال، فإن “نجاح الفكرة سيحدد مدى الاستمرار”، وفق نهى التي ترحب بكل جديد “يسهم في تنمية الفكرة، حتى يضمن التفاعل ضم أكبر عدد ممكن”.
والتعليم على مستويات؛ بداية بأساليب الرسم العادية بالنور والظل، وصولا لمرحلة تعليم الرسم الرقمي، عبر تعليم التشريح والنسب.

وبدأت أولى الجولات الميدانية في مبادرة حارس القلم لتعليم الرسم في الشارع المصري بحديقة الحيوان بالجيزة، حيث عُقدت ورشة رسم خارجي اجتذبت الأطفال العابرين الزائرين للحديقة، فانضموا للفنانين وجلسوا بجوارهم، فمنحهم هؤلاء بدورهم ألواح الرسم وأمسكوا بأيديهم لتعليمهم.
أهالي الأطفال بدورهم سارعوا لتعلم الرسم منجذبين بإقبال أطفالهم على التعلم حينما رأوا أنهم فردوا أذرعهم كأجنحة رفرفوا بها نحو بهجة الألوان والألواح.

يقول هاني -وهو والد أحد الأطفال الذين جلسوا لتعلم الرسم- “تشجعت للتعلم في هذه السن بإقبال ابني، وتعلمت حقاً معه لكنه تفوق علي في الشكل النهائي للرسم، أحيي المبادرة والقائمين عليها، وأتمنى أن يستمروا رغم المناخ القاسي الذي لا يشجع على العمل التطوعي، خاصة لو كان فناً”.
وحتى الآن جرى عقد سبع ورش للرسم، تنوعت بين “البورتريه” (رسم الوجه) و”الكوميكس” (الرسم المصور) و”الإكواريل” (الرسم بالألوان المائية).

ويخطط الفنانون لزيارة مستوصفات خيرية، ومصحات لعلاج الأطفال المصابين بالسرطان، “لإدخال البهجة في نفوسهم بتعليمهم رسم الأمل”، بحسب نهى التي تؤكد أيضا أنهم سيرسمون “في الشارع، وفي كل منطقة مفتوحة”.

أما الأهداف الحالية للمبادرة فتتركز ببساطة على تعليم الرسم مجاناً، بجميع مراحله وأنواعه، وشرط الحصول على الدورة هو أن يقوم كل متعلم مشارك فيها بتعليم آخرين يرغبون في تعلم الرسم مجاناً كما يقول عضو المبادرة الفنان محمد زهران.

ويضيف زهران “خطتنا في المستقبل القريب أن ننزل إلى الشارع بفرق الفنانين الذين لم يحصلوا على فرصة من قبل للتحول من هواة لمحترفين، لنرسم في مناطق مفتوحة خلال زياراتنا لملاجئ الأيتام والمستشفيات”.

الوسوم