مهما تعددت محن الإنسان وتعقدت حياته ، لا يُمكن أبداً أن تُضاهي تلك التي يضطر أن يعيشها مُجبراً طفل في وضعية إعاقة ، لنقل أن مِحنه ستكون خماسية الأبعاد ومتشعبة الفروع ، أملاً في مساعدة ابنهم ذو السنتين لتخطيها ، هجرت أسرة رياض سليم موطنها تونس نحو فرنسا طلباً للعلاج ، قرار غير مسار حياته وفتح له باباً على عالم من احتمالات التفرد والنجاح.

رغم أنه رفض أن يكون ضحية ظروفه الصحية ، لم تكن طريق هذا البطل مضاءة بالشموع ، وحتى في بلد مُتقدم كفرنسا فقد واجهته تحديات صعبة وتعرض للأقسى التجارب التي يعاني منها ذوي الاحتياجات الخاصة في كل مجتمع وهي نظرة الآخر.

الثاليدومايد THALIDOMIDE هو دواء مُهدئ لأعراض الغثيان الصباحي الذي غالباً ما تُعاني منه النساء الحوامل خاصة في الأشهر الأولى ، أكدت الشركة المُنتجة في ستينات القرن الماضي أنه آمن ، ولكن ظهرت تأثيراته الجانبية الخطيرة عند ولادة جيل من الأطفال باختلالات خلقية في الأطراف حول العالم، رياض سليم من ضحايا عقار الثاليدومايد .

استجابة لرغبة جده، قامت أسرته بالانتقال لفرنسا، حيث سيعيش أغلب سنوات طفولته نزيلا بمركز للترويض الوظيفي بضواحي باريس. بعيداً عن أهله، أمضى ستة عشر سنة وحيدا وخضع لعمليات جراحية مرارا وتكرارا. لم يكبح الرسم أو الاستماع للموسيقى فرط نشاط وثورة رياض المُراهق، تسرب الملل واليأس إلى روحه من حالته وحياته الحبيسة بين جُدران المستشفيات الخاصة، واعتراه الغضب من كل شيء حتى تدخل أساتذته باقتراح لتوجيه طاقته نحو نشاط مُفيد ، حل غَيّر حياته وبعث فيه الأمل لأول مرة.
الرياضة أنقذته من براثن اليأس

مُزاولة الرياضة أعطت لرياض دافعاً من أجل الاستمرار، فرصة لاكتساب استقلاليته وسببا للخروج من المُستشفـى ، تمكن من خلال مُمارسة السباحة أولاً من إشباع احتياجه العميق للحرية وتحسين صورته الذاتية ، أطلّ بذلك على فضاء واسع من الاحتمالات والفرص الذهبية لإثبات وجوده كإنسان قادر أن يمتلك حرية صنع قدره لا كشخص في وضعية إعاقة ضحية ظروفه الاجتماعية.

مكنته الرياضة أيضاً من تقبل إعاقته والتعايش معها، واكتشاف طاقاته الدفينة، فلم يكتف بنشاط رياضي واحد بل اندفع إلى أقصى الحدود بانضمامه لفريق كرة السلة فحطم كل الشكوك…لأنه لا يملك يدين للإمساك بكرة ، الروكبي لاحقاُ وشارك في الألعاب البارالمبية الموازية للألعاب الأولمبية وتشمل فئات الرياضيين من ذوي الاحتياجات الخاصة.

رياض سليم فخر فرنسا وموطنه الأول تونس، على كرسي مُتحرك حقق المُستحيل واستفاد من فُرصة صغيرة ليفتح أبواب على عوالم أكبر، ثأر لسنوات طفولته و مراهقته الضائعة من خلال إنجازات رياضية متتالية تستحق الإشادة والتقدير.

المُشاركة أربع مرات في الألعاب البارالمبية ؛ أتلانتا سنة 1996 ،سيدني في عام 2000 وأثينا 2004 ضمن منتخب فرنسا لكرة السلة على كرسي متحرك و لندن سنة 2012 ببطولة الروكبي على كرسي متحرك.

حائز على لقب بطل أروبا لكرة السلة على كُرسي متحرك ثلاث مرات .
حقق الرقم القياسي عالمياً في سباق التتابع المتنوع في السباحة.
حائز ضمن فريقه على لقب بطل فرنسا في الروكبي على كرسي متحرك سنة 2013.

تحقيق الانتصارات الرياضية ليس الشغف الوحيد في أجندة رياض سليم ، فالنضال عنده مُتواصل لتقديم صورة مُختلفة ولائقة بإنسانية الأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة ، فكرة الانخراط في العمل الجمعوي لم تكن رغبة واختيار بل الملجأ الوحيد المُتبقي لأن سوق الشغل لم يكن فاتحاً ذراعيه تماماً لمن هم في حالة إعاقة ، فبالنسبة لرياض العالم بأكمله هو من يحتاج أن يندمج ويتأقلم معهم وليس العكس.

اهتماماته الاجتماعية الإنسانية ورؤيته حول تغيير الصورة النمطية عن الأشخاص في حالة إعاقة كأفراد غير سعداء وفاعلين في مُجتمعهم، قادته إلى إنشاء جمعية Capsaaa سنة 1995 إلى جانب مجموعة من رفقائه في مسيرة النضال للتحسيس بقضيتهم وتعزيز نظرة مُجتمعية إيجابية للإعاقة كاختلاف آخر ضمن ملايين الاختلافات الإنسانية في الكون.

إلى جانب الأنشطة الرياضية التي تقدمها الجمعية ، فهي تستعمل الرياضة أيضا كوسيلة تعليمية ضمن برامج تربوية داخل جُدران السجون، المدارس ومؤسسات المجتمع المدني للتضامن والتنبيه حول السلوكيات المحفوفة بالمخاطر التي يمكن أن تسبب العجز، إلى جانب تقديم صور عن المعاناة النفسية التي تواجه الأشخاص ذوي الإعاقة في بعض الأحيان وتزيد من عُزلتهم.

في سن 45 ، أحلام رياض وطموحاته ليس لها حدود ، في جدول أعماله المستقبلي إطلاق قناة تلفزيه عالمية لذوي الاحتياجات الخاصة وتوفير المزيد من مناصب الشغل لهم ضمن جمعيته وعن طريق مؤسسات اجتماعية أخرى.

لم يستسلم رياض لحالته الاجتماعية ورفض نظرة الشفقة في عيون الآخرين ، وجد في الرياضة وسيلة هروب فعالة من عالم اليأس والغضب الذي سرق منه سنوات عمره الأولى، فجر طاقاته في إنجازات رياضية عظيمة وأراد أن يغير مُجتمعه للأفضل مُنطلقاً من نفسه ليصنع شبكة محلية وطنية من الأصدقاء، الشركاء والداعمين لقضيته النبيلة، وهو بذلك يقدم مثال يُحتذى به في تحدي الإعاقة في جميع صورها والتقدم بإصرار رغم أنف كل الظروف المُثبّطة للعزيمة في طريق نحو مُستقبل أفضل.

مصادر : ١

الوسوم